نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة العنكبوت

الجزء ١٣ · صفحة ٢٩٥

افتتحت القصة المختصرة بلام القسم "وقد" لتأكيد مضمونها؛ لأنها عريقة في القدم، ولم تكن ذرية آدم من الكثرة المقدّرة في علم الله لعمارة الأرض قد استوفت مداها، ولعلّ ذلك يفسّر الحكمة من إطالة العمر لأولئك الأقوام الأوائل وامتيازهم بفراهة الأجسام، حتى يتمكنوا من تسخير الأرض وتمهيدها لمن يأتي بعدهم من الأجيال، ومع كثرتها وانتشارها عبر مختلف القارات، ومع التّقدّم الحضاري ووفرة الوسائل المادية في عمارة الأرض تتقلّص مدّة الأعمار حتى أصبحت في تقرير رسول الله لأعمار أمته كما قال: «عمر أمتي من ستين سنة إلى سبعين سنة».(1)

وها هو سيّدنا نوح عليه السلام يصابر ويرابط في إبلاغ دعوته لمدّة تسعمائة وخمسين سنة، وفي اختيار هذا التّعبير للعدد المذكور نورد ملاحظتين لكلّ من الإمامين القطب اطفيش والإمام بيوض إبراهيم.

أ) - يقول الإمام بيوض -رحمه الله-: "اختار الله تعالى التّعبير بقوله: (أَلْفَ سَنَةٍ اِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا) ليصدم النّاس بالألف ثم يستثني، على أنّ النّاس قد اعتادوا التّعبير بالعقد على العدد القريب منه كالمائة والألف فيذكر العقد (أي العشرة) ثم يطرح منه القليل، ثم إن الاستثناء تدقيق في المدّة يعني إنها حقّا تسعمائة وخمسون عاما، ذلك لأنّ النّاس اعتادوا ذكر العدد بالتّقريب بأن يزيد أو ينقص قليلا، أما إذا ذكر عدد ثم أنقص منه فإنّه يدلّ على أن ما بقي هو العدد الحقيقي".(2)

ب) - وللقطب -رحمه الله- ملاحظة في تنويع اللّفظين: "سنة" و"عام"، إذ قال: "اختار أولا لفظة "السّنة" لشهرتها في الشّدة بالجدب المناسبة لما لقي من قومه وقت دعائه لهم، والعام أعمّ".(3)

(1) 1 - رواه الترمذي من حديث أبي هريرة، كتاب (37) الزهد، باب (23) ما جاء في فناء أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين، رقم 2331.

(2) 1 - إبراهيم بن عمر بيوض، في رحاب القرآن: 9/ 72 - 73.

(3) 2 - امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التفسير:11/ 48.

٤٬١٣٩ / ٦٬٧٦٧