سورة العنكبوت
الجزء ١٣ · صفحة ٣١٤يبدو من إجابتهم الأخرى المذكورة في السّور المتقدمة بأنهم قالوا: (أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمُ إِنَّهُمُ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (الأعراف:82)، يبدو من ذلك جمعا بين الإجابتين: أنّ لوطا توخّى معهم في أوّل الأمر أسلوب التّدرّج في الدّعوة بمحاولة إقناعهم بسوء ما يفعلون، وأنهم يعلمون بأنّ عملهم ذلك رجس وإثم كبير، ولذلك لجأوا إلى إبعاده عنهم بدعوى أنّه امرؤ يريد التطهّر، ومع طول الدّعوة وتكرار النّهي اضطرّ إلى تهديدهم بعذاب الله، ولكنّهم واجهوا التّهديد بالسّخرية والاستهزاء وتحدّوا لوطا بإتيانه، وهم يشكّون في صدق إخبارهم بذلك، فلمّا يئس من إيمانهم وإذعانهم للحقّ، طلب من الله أن ينصره عليهم، ووصفهم بالإفساد في الأرض، لأنّ ذلك يقتضي غضب الله عليهم وإنفاذ سنته في الانتقام بالمفسدين، ولا يلتجئ الرّسول لمثل ذلك الدّعاء إلاّ بعد أن يستنفذ جهده في دعوته، وييأس من إمكانية الاستجابة لها، كما قال تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُنجِي مَن نَّشَآءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف:110). فكيف كانت إجابة الله لطلب لوط؟.
كانت بإرسال ملائكة العذاب لخسف قرى قوم لوط، ولكنهم عرّجوا على إبراهيم يحملون إليه البشرى، قال تعالى: (وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ، قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ).