نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة العنكبوت

الجزء ١٣ · صفحة ٣٢٥

وقد مثّل الله هنا حال أولئك المتّخذين الأولياء من دون الله يرجون منها النّفع والضّرّ، مثّلها بحال العنكبوت التي تنسج لنفسها بيتا بخيوط واهية لتعصمها من الأذى، ولكن ذلك البيت لا يصمد أمام أدنى ضرر يصيبها، والمقصود من هؤلاء بالدّرجة الأولى هم مشركو قريش، وإنّ اللّفظ للعموم فيمن يشابه حالهم، ثم ضمّن الله ذلك التّشبيه بما يصلح في حدّ ذاته أن يكون مثلا فقال: (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، حكم على تلك البيوت العنكبوتية بالضّعف والوهن، بصيغة التّفضيل للدّلالة على قوة ضعفها، والتّعقيب بقوله تعالى: (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) يفيد غباوة أولئك النّاس لعدم انتباههم إلى انعدام النّفع والصّلاح في ما يفعلون، وإلا فإنّ وهن البيت العنكبوتي لا يخفى على أحد.

ويلاحظ في المشبه اختيار لفظ: (أَوْلِيَآءَ) دون سواها من المعبودات الباطلة، فإنّ لفظ الأولياء أعمّ وأشمل من كلمة الأوثان أو الأصنام والشّركاء، فهو يتناول كلّ الوسائل التي يتوسّل بها النّاس إلى غير الله ممّا يندرج في الشّرك الجليّ أو الخفيّ، حتىّ في التّوسّل إلى قباب وأضرحة الأولياء، أو إلى أعتاب السّادات والزّعماء، اللّهم إلا ما يكون من الاستعانة المشروعة في تسخير النّاس بعضهم بعض، فقد اعتبر الرّسول ذلك من الصّدقة بأن تعين الرّجل على دابته أو تحمله عليها، أو أن تلقى أخاك بوجه طلق.

٤٬١٦٩ / ٦٬٧٦٧