سورة العنكبوت
الجزء ١٣ · صفحة ٣٢٧يمتاز المؤمنون ببعد النّظر والتّأمّل إلى ما هو أبعد من تلك الكائنات الأرضية الحقيرة، فهم في عقيدتهم بوحدانية الله وقدرته يتغلغلون بأفكارهم في تدبّر ملكوت السّماوات والأرض، كيف أبدع الله صنعهما، وأقامهما على الحقّ، وأن لا إله غير الله خالقها ومبدعها، فهداهم الله إلى نبذ عبادة الأصنام واتخاذ الأولياء من دون الله، على خلاف المشركين الباقين على جهلهم وضلالهم، والكون في أرضه وسماواته آيات صامتة ينتفع بها المؤمنون.
وكذلك أنزل الله القرآن آيات ناطقة تذكّر وترشد، أمر الله رسوله بتلاوته وتدبّره، وهو قدوة للمؤمنين فقال: (اتْلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).
ملاك الدّعوة إلى الله ومعقد الإيمان به هو القرآن الكريم، لما فيه من الهداية الرّبانية لخلقه، فقد أمر الله رسوله ومن خلاله سائر المؤمنين بتلاوته، ولم يذكر متعلّق تلك التّلاوة ليشمل جميع الأحوال وجميع النّاس، وليس المقصود من تلاوته مجرّد التّبرّك أو التّلذّذ بسماعه، وإنّما المقصود هو إبلاغه للناس ونشر هدايته بينهم، فللقرآن تأثير على النّفوس وسلطان قويّ على سامعيه، ولذلك كان الكفار يتحاشون سماعه، وأمر الله رسوله أن يجير أحد الكفّار إذا استجاره، وجعل العلّة لذلك أن يسمع كلام الله، وما كان رسول الله يتلو القرآن إلا ليبيّن للنّاس ما أنزل إليهم كما قال له: (يَآ أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالاَتِهِ) (المائدة:67). ذلك في المجال الدّعويّ لصيانة المجتمع وضمان صلاحه وطهره.