سورة العنكبوت
الجزء ١٣ · صفحة ٣٤٨والإسلام حين يضع ذلك الميزان الدقيق للقيم الخالدة الباقية لا يدعو إلى نبذ الدّنيا والزّهد فيها، وإنما يدعو إلى مراعاة حدود الله في الأخذ بأسباب الدّنيا كيما يعيش المؤمن متوازنا بين الحياتين، ويبقى المشركون على تناقضهم واضطرابهم حين تدفعهم الشّدّة إلى سماع نداء الفطرة فيدعون الله مخلصين له الدّين، وذلك حين يركبون أهوال البحر ويحيط بهم الموج من كل مكان، قال تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمُ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ، لِيَكْفُرُوا بِمَآ ءَاتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).
"الفاء" لتفريع ما بعدها على ما قبلها، والمفرّع عنه هو ما ذكر من جميع أحوال المشركين من تناقضاتهم وغفلتهم عن دلائل وحدانية الله إلا في وقت الشّدة، وقد خصّص الله له حالة ركوبهم البحر، وقد ضاقت بهم سبل النّجاة في خضم أهواله، فيتوجهون حينئذ بخالص دعائهم إلى الله وحده طلبا للنّجاة ولا يشركون أصنامهم في ذلك، ولكنهم بمجرّد بلوغهم برّ الأمان يعودون إلى كفرهم، والتّعبير بـ"إِذَا" الفجائية: (إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) للدّلالة على الإسراع في النّكوص إلى الكفر بعد ذلك مباشرة.
ثم علّل الله ذلك بميولهم النّفسية إلى الكفر والتّمتع بزينة الدّنيا إذ قال: (لِيَكْفُرُوا بِمَآ ءَاتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)، وإذا اعتبرنا اللاّم الثّانية للأمر كما قرئ بها، فيكون الأمر للتّهديد والوعيد، يؤكده قوله: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).