سورة العنكبوت
الجزء ١٣ · صفحة ٣٤٩(أَوَلَمْ يَرَوَا اَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا -امِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمُ أَفَبِالْبَاطِلِ يُومِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ)، تذكير يخصّ أهل مكّة من بين مشركي العرب، لأنهّم قالوا لرسول الله من قبل كما تقدم في سورة القصص: (وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنَ اَرْضِنَا) (57). فعلى ذكر الخوف في هول البحر ذكّرهم الله بنعمة الأمن التي حباهم بها في بلدهم مكّة، بوجود الحرم الآمن ينعمون ببركاته، رفعا لشأنهم بين العرب، وأمنا وغنى في كنفه، بينما القبائل الأخرى من حولهم تتناحر وتتصارع وتنهب وتسلب.
وذلك ما يدعو إلى العجب والاستنكار فقال تعالى: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُومِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ)، فكان من جحودهم لتلك النّعمة أن اتّخذوا في الحرم زهاء ثلاثمائة وستين صنما تعبد من دون الله، وأيّ كفر هو أعظم من هذا؟، وهم يعلمون أنّ الله تعالى هو ربّ ذلك البيت، حماه وباركه، وما قصّة الفيل عنهم ببعيدة، وقد قال عبد المطلب لأبرهة الحبشي: "إن للبيت ربّا يحميه".
وإذ كان ما أقاموا عليه من الكفر ظلما وافتراء على الله فقد شدّد الله عليهم النّكير في أواخر هذه السّورة بقوله: (وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا اَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ).
بلى، إنّ الشّرك لظلم عظيم، ويتضاعف جرمه إذا كان مقترفه قد قامت عليه الحجّة ووضح الحقّ أمام عينيه، فماذا بعد ذلك إلاّ جهنّم مثوى للكافرين، وهي الجزاء الوفاق الذي ينتظرهم، جيء بهذا الوعيد الشّديد في صيغة الاستفهام التّعويذي بحيث يفرّ به كلّ من يسمعه.