سورة الرّوم
الجزء ١٣ · صفحة ٣٦١بعد أن ندّد الله عن المشركين بغفلتهم عن الآخرة، وذلك بإنكارهم للبعث، وقد بيّن تحقق وعده بالنّصر وربط ذلك بالحقّ الذي يقوم عليه الوجود ويدلّ على وحدانيته وعظمته وقدرته، لفت هنا أنظار المشركين الغافلين إلى التّأمل في أرجاء هذا الكون الفسيح، علّهم يدركون من خلاله ما هم عليه من عمى وغفلة فقال جلّ من قائل: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ).
إنه السّؤال التّعجيبي من غفلة أولئك القوم وتحجّر أفكارهم حول المألوف مما حولهم من المشاهدات حتى تبلّدّ حسّهم وأدّى بهم ذلك إلى إنكار ما وراء المشاهد المحسوس، وبالتّالي دأبوا على تكذيب رسول الله في خبر السّماء.
وقوله تعالى: (فِي أَنفُسِهِم) يأخذ معنى قوله في سورة الذاريات: (وَفِي أَنفُسِكُمُ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) (الذاريات:21)، والمقصود به هو النّظر التّدبّري لمعرفة أغوار النّفس البشرية كيف سوّاها الله وبرأها ونفخ فيها من روحه لتكون الطّاقة المحرّكة لذات الإنسان، والقرآن الكريم كثيرا ما يوجّه الأنظار إلى التّأمّل في خلقة الإنسان، وكثيرا ما يعرّفها بخلقة السّماوات والأرض لإدراك عظمته وقدرته، ولا يزال البحث العلمي قاصرا في إدراك أسرار النفس البشرية، وقديما قال الشّاعر العربي:
دواؤك فيك وما تشعر … وداؤك منك وما تبصر
وتزعم أنك جرم صغير … وفيك انطوى العالم الأكبر