نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الرّوم

الجزء ١٣ · صفحة ٣٦٥

للإمام ابن عاشور ملحظ دقيق في أسلوب السّورة كيف بسط الله فيها دلائل انفراده تعالى بالتّصرف في شؤون خلقه في معاشهم ومعادهم لا يطال أن يكون للآلهة الباطلة شيء من التّصرف في ذلك فقال: "فصّلت هذه الدّلائل على أربعة استئنافات متماثلة الأسلوب، وابتدئ كلّ واحد منها باسم الجلالة مجرى عليه أخبار من حقائق لا قبل لهم بدحضها؛ لأنهم لا يسعهم إلا الإقرار ببعضها أو العجز عن نقض دليلها. فالاستئناف الأول مبدوء بقوله: (اللهُ يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)، والثّاني مبدوء بقوله: (اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ) (الرّوم:40). والثّالث مبدوء بقوله: (اللهُ الذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ) (الرّوم:48)، والرّابع مبدوء بقوله: (اللهُ الذِي خَلَقَكُم مِّن ضُعْفٍ) (الرّوم:54) ".(1)

قلت: نحن بصدد الاستئناف الأول الذي يقول فيه تعالى: (اللهُ يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، وإذ كان افتتاح السّورة الكريمة ردّا على ابتهاج المشركين بانتصار الفرس على الرّوم وتطاولهم بذلك على المسلمين، وكيف أخبر الله بأنّ عاقبة النّصر تكون للرّوم وعدا منه حقّا لا يتخلّف، واقتضى ذكر ذلك الحدث التّاريخي أن يفيض الله في الاستدلال على إبطال مزاعم الشّرك بتلك الاستدلالات المتعاقبة، فبدأ بقدرته على بدء الخليقة مما يقرّون به ليدمج فيه قدرته على إعادة الخلق ليوم الجزاء عند الرّجوع إلى الله، ويا ما أبلغ أسلوب الالتفات من ضمير الغيبة إلى خطاب المشركين ليكون ذلك أوقع في نفوسهم بطريق الإلزام؛ لأن الإعادة كالبدء، بل هي أهون منه في عرفنا، فالقدرة الإلهية لا تتخلّف في إحداهما؛ لأنهما متلازمتان.

(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتّنوير: 21/ 61.

٤٬٢٠٩ / ٦٬٧٦٧