نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الرّوم

الجزء ١٣ · صفحة ٣٧٠

لما كان أكثر النّاس لا يعلمون إلاّ ظاهرا من الحياة الدّنيا، فأنكروا ما وعد الله به من الحياة الأخرى، وبعد عرض مشاهد مروّعة من يوم القيامة اقتضى التّذكير والإرشاد الرّبّاني أن ينتقل بالأنظار الإنسانية إلى رحاب الكون الفسيح في عجائب صنعه وبدائع أسراره، فمهّد الله إلى ذلك بالدعوة إلى تسبيح الخالق والحمد له في كلّ الأوقات وفي كل الظّروف والأحوال؛ لأنّ ذلك أدعى إلى التّأمل الواعي والتدبّر الحكيم فقال تعالى: (فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ).

تفريع التنزيه للذّات العليّة ناشئ عمّا نسبه إليه الجاحدون للبعث من العجز عن إحياء الموتى ليوم النّشور، وحكمه تعالى في هذا المجال بأنّ أكثر النّاس لا يعلمون، وقد ذكر الله المجال الزّمني للتّسبيح ما بين اللّيل والنّهار فانتظم الأوقات للصلوات الخمس المفروضة: ففي الإصباح صلاة الفجر، وعند الظّهير والعشيّ صلاتا الظّهر والعصر، وعند الإمساء المغرب والعشاء. ذكر الله تلك الأوقات على الإجمال، والمقصود هو التّسبيح لله في جميع الأوقات، وإنّما ربط ذلك بحركة الشّمس في شروقها وزوالها وغروبها؛ لأنّ ذلك أدعى إلى تدبّر صنع الله وقدرته في تسخير ذلك، وقد سئل ابن عباس: هل نجد الصّلوات الخمس في القرآن؟، قال نعم، وتلا قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ).

قلت: وشبيه في دلالة هذه الآية قوله تعالى:

أ) - (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) (الإسراء:78).

ب) - (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنَ انَآءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) (طه:130).

٤٬٢١٤ / ٦٬٧٦٧