نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الرّوم

الجزء ١٣ · صفحة ٣٨٣

وهكذا يصوّر المثل ذلك الزّعم الاعتقادي الباطل بهذه الصّورة المحسوسة المنكرة، وذلك بعد إقامة تلك الأدلّة القاطعة للاعتقاد الصّحيح في وحدانية الله وقدرته، ولمّا كان مثل هذا البيان والتّفصيل يحتاج إلى التّفكير والتّدبّر أعقبه بقوله: (كَذَالِكَ نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، إذ العقل وحده هو المنة العظمى من الله لهذا الإنسان يستبين به الحقائق على طريق الهدى والرّشاد.

ثم قال تعالى: (بَلِ اتَّبَعَ الذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَّهْدِي مَنَ اَضَلَّ اللهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ).

كان المفروض من تلك الجولة في تفصيل آيات الله وفي ضرب ذلك المثل البليغ، كان المفروض أن ينتفع به السّامعون فيتبيّن لهم الرّشد من الغيّ، ولكن واقع الذين ظلموا أنفسهم بالشّرك كان على خلاف ذلك إعراضا وتماديا في الكفر، وذلك ما تفيده أداة الإضراب "بل"، فأراد الله أن يبيّن مكمن الدّاء في نفوسهم حتى عموا عن تلك الآيات ولم ينتفعوا بها، فبيّن الله أن ذلك كان بسبب اتّباع هواهم بغير علم، ومع غلبة الهوى على الإنسان ينطمس نور العقل فلا يكون له تأثير على سلوكه، وزيادة في التّشنيع قيّد الله اتّباع الهوى بغير علم، حتى لكأن الذي يتّبع هواه وهو عليم بما يقوم به يكون أهون ممن يفعل ذلك عن جهالة، ولكننا عند تقييم المسؤولية نؤاخذ العالم بأكثر مما نؤاخذ الجاهل، وكذلك حكم الله إذ قال: (أَفَرَآيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَّهْدِيهِ مِنم بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) (الجاثية:23).

٤٬٢٢٧ / ٦٬٧٦٧