نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الرّوم

الجزء ١٣ · صفحة ٣٨٥

الرّبط بالفاء الفصيحة والتّفريع بها يفيد التّلاحم بين ما قبلها وما بعدها، والتّقدير هنا أنه بعد بيان أحوال المعرضين الظّالمين وعدم تجاوبهم مع آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم ولا مع المثل المنتزع من أحوال ألنفسهم، فكأن سائلا يسأل: فما هو المسلك بعد معرفة كل ذلك؟، فيأتي الجواب بقوله تعالى لرسوله ومن خلاله لجميع أمته: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ)، والإقامة للشّيء هي بمعنى الدّوام والاستقرار، وإقامة الوجه للشيء يعني التّوجّه قبالته لا يحيد يمنة ولا يسرة، والوجه هو اللافتة الدّالة على الإنسان، والمراد بالدّين هو ما يدعو إليه رسول الله من الإسلام، وهو المرتضى من الله لخلقه، فـ"أل" فيه للعهد، وأكّد الله ذلك الاتجاه الصّحيح بقوله: (حَنِيفًا)، بمعنى الميل إليه مجانفا الباطل، ثم قال في شأن هذا الدّين: (فِطْرَةَ اللهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)، والفطرة في معناها اللّغوي هي من الفطر بمعنى الخلق والإبداع، وقد تعدّدت تفاسير العلماء لقوله تعالى: (فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)، يعجبني منها تفسير ابن كثير بأنّها قابلية الحق والتّهيّؤ لإدراكه، وفسّروا لزومها بالجريان على مقتضاها.

قلت: وهذا يدلّ على أنّ الأصل في قابلية الإنسان الفطرية هو الميل إلى الخير، ثم تتحكّم البيئة والتّربية في الثّبات على ذلك أو الميل عنه، ويؤيّده قوله عليه السلام في حديث قدسي، يقول الله: «إني خلقت عبادي حنفاء فأجالتهم الشّياطين عن دينهم».(1)

(1) 1 - رواه مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي، كتاب (54) الجنة و صفة نعيمها وأهلها، باب (17) الصفات التى يعرف بها فى الدنيا أهل الجنة وأهل النار، رقم 7386: 8/ 158.

٤٬٢٢٩ / ٦٬٧٦٧