سورة الرّوم
الجزء ١٣ · صفحة ٣٨٨(يَقْنَطُونَ): قرأ الجمهور بفتح النّون، على أنه مضارع "قنط"، من باب "حسب"، وقرأه أبو عمرو والكسائي بكسر النّون، من باب "ضرب"، وهما لغتان.
د) - البيان والتّفسير:
بعد بيان دلائل التّوحيد والإشادة بدين الفطرة وما يعين المؤمن على الالتزام بنهجه، وبعد التّحذير من التّفرق، أعقب الله ذلك فتنة السّراء والضّراء وتقّلب النّفس البشرية إزاءهما، وهي تتأرجح بين الانفعالات، وتتدافعها التّصوّرات الخاطئة، فتقبل إلى الله وتدبر، وتلوذ بركنه ثم تتنكر.
قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً اِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ، لِيَكْفُرُوا بِمَآ ءَاتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ).
يلاحظ أنّ العطف لبيان هذه الظّاهرة المنكرة جاء بعد تنديده تعالى بالذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون، ممّا يدلّ على أنّ هذا الفريق من النّاس المتقلّبين في أحوالهم النّفسية في الإقبال على الله والتّضرّع إليه في وقت الشّدّة، والنّكوص إلى التّمرّد والشّرك في وقت الرّخاء، هؤلاء لا يستمدّون قيمهم من أصول ثابتة، ولا يركّزون خطواتهم على نهج قويم، فعند الضّرّ يلجأ النّاس إلى ربّهم ضارعين خاشعين يهيب بهم نداء الفطرة بالرّجوع إلى الله فتتلاشى مظاهر الكفر، وربّما استشفعوا وقتئذ ببعض الصّالحين عسى الله يستجيب دعاءهم، كما فعل المشركون مع رسول الله في سنوات المجاعة حتى أكلوا الجيف، فدعا الرّسول ربّه فأُمطروا وزالت عنهم الشّدّة، وعندما رجعوا إلى نعيمهم وترفهم كفروا بالله وجحدوا تلك النّعمة.