سورة الرّوم
الجزء ١٣ · صفحة ٣٩٧وإذ أمر الله النّاس بالسّير في الأرض للاعتبار بما لقي المشركون من نقمة الله وعذابه، فهو يبيّن لهم هنا مدى تأثّر أحوال الحياة وتقلّبات أوضاعها بأعمال النّاس وتصرّفاتهم، فحين يكثر فسادهم وتسوء طباعهم فإنّ ذلك ينعكس على أحوال الأرض شرّا وفسادا في برّها وبحرها، ومن ثمّ يأمر الله رسوله والمؤمنين معه بالثّبات على الدّين القويم من قبل مجيء يوم الحساب، وكيف يكون مصير المؤمنين والكافرين فيقول تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
(ظَهَرَ الْفَسَادُ): إخبار ربّاني -بصيغة الماضي- لما سيحدث في المستقبل لتحقّق علم الله بذلك، والظّهور هو بمعنى الانتشار والاستفحال، وتعدّ هذه الآية من معجزات القرآن في استشراف المستقبل، كالتي في مفتتح السّورة، ولها اتّصال مناسب لما تقدّمها من مثل قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَرْضِ) (الرّوم:9). وقوله: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ) (الرّوم:33).
الفساد هو سوء أحوال النّاس في ما ينتفعون به في البرّ والبحر، والمقصود بهما جميع أماكن الأرض مما هو منتجع حيوي للبشر، و"أل" فيه للجنس على الأرجح، فهو يتناول كلّ ما يختلّ به التّوازن البيئي من أنواع الآفات والأضرار مما يتسبّب فيها الإنسان برّا وبحرا وفي المناخ الجويّ، وهي أنواع من الفساد لا تقع تحت حصر، كلّها من عمل الإنسان قديما وحديثا، مما جعل علماء الحياة والبيئة يقرعون ناقوس الخطر ويحاولون الحدّ من ذلك الفساد بإبرام اتفاقات عالمية، كاتفاقية "كيوتو"، وكالحدّ من انتشار الأسلحة النّووية … إلخ. وحبذا لو أنّ الكبراء يحترمونها، إذن لخففت على البشرية بعض الويلات.