نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الرّوم

الجزء ١٣ · صفحة ٤١٠

هذا هو الاستئناف الرّابع المصدّر بلفظ الجلالة في مجال الاستدلال على عظمة الله وقدرته في بديع صنعه لمختلف العوالم لتقرير إمكانية البعث، فبعد الجولة في مشاهد الكون يعود السّياق إلى بيان قدرة الله في خلق الأنفس ومرورها بمختلف الأطوار في الحياة الدّنيا حتى نهايتها إلى الحياة الأخرى وما يحدث هناك من المناقشات بين أهل الإيمان وأهل الكفر.

قال تعالى: (اللهُ الذِي خَلَقَكُم مِّن ضُعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنم بَعْدِ ضُعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنم بَعْدِ قُوَّةٍ ضُعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ).

التّعبير بـ"مِن" الابتدائية مع المصدر النكرة يدلّ على تمكّن الوصف من الموصوف، وهو أبلغ من أن يقول: "خلقكم ضعافا"، حتى لكأن أصل الإنسان هو الضّعف نفسه، وله مظاهر شتى في كيانه حسّا ومعنى، فمن النّاحية المادّية فإنّ الضّعف يتمثّل في أصل خلقته من نطفة لزجة واهية تمرّ على أطوار خلقا من بعد خلق لا يفارقه الضّعف حتى وهو وليد فرضيع في حجر أمّه، وهي تتعهّده بالرّعاية لمدة طويلة حتى يبلغ أشدّه حيث يشعر بالقوّة والفتوّة، وإذا هو لم يحتضر في مقتبل العمر فإنّه يعود إلى الضّعف الأول، فيداهمه الشّيب والهرم ثم الفناء. إنّها أطوار لا ينفلت منها أحد، وهي من تقدير الله وتدبيره، وهي شاهدة على علمه وقدرته، فهو الذي ينشئكم بعد الموت، وهي النّهاية الأبدية المقدرة في علم الله، وليس ذلك بأصعب عليه من النّشأة الأولى.

٤٬٢٥٤ / ٦٬٧٦٧