نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة لقمان

الجزء ١٣ · صفحة ٤١٧

(أَلَمِّ): افتتاحية بالحروف المقطّعة التي تقدّمت نظائرها في السّور السّابقة، وقد تقدّم القول فيها بما يراه أغلب المفسّرين، ويبقى المعنى الحقيقي لها لا يعلمه إلاّ الله، ولم يرد في ذلك بيان عن رسول الله لنعتمده، وكشأن أغلب السّور المفتتحة بتلك الأحرف يأتي التّنويه بعدها بشأن القرآن، وهنا وصف الله كتابه بالحكمة فقال: (تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ، هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ).

في الإشارة بـ"تلك" -وهي للبعيد- رفع لقدر تلك الآيات المشار إليها مما سيذكر في هذه السّورة وما نزل قبلها، ووصف الكتاب بـ"الحكيم" في تشبيه بليغ بالرّجل الحكيم، يجعل من القرآن كائنا حيّا يفيض حركة ونشاطا للتّأثير على قلوب سامعيه، والحكمة كما يعرّفها العلماء هي وضع الأشياء في مواضعها بحسن التّدبير، ويجوز أن يكون: (الْحَكِيم) بمعنى المحكم في مبناه ومعناه، ليس فيه باطل ولا لغو، واختيار وصف: (الْحَكِيم) لكتاب الله هو تمهيد مناسب لذكر حكمة لقمان، وأمّا كونه هدى ورحمة للمحسنين، فقد اختير وصفه بالمصدر لتمكّن تلك الصّفة ورسوخها، فهو يهدي إلى الطّريق الأقوم الموصل إلى الغاية من عبادة الله والاستقامة على نهجه، أمّا كونه رحمة فلأنّه ينجي المستجيبين لدعوته من عذاب الله، ويضمن لهم السّعادة والهناء في الدّارين، وإن كان القرآن يكفل ذلك لجميع النّاس، فإن المحسنين منهم هم الذين يتفيأون ظلاله، ويهتدون بأنواره؛ لأنّ الإحسان هو أعلى مرتبة للمتّقين الأبرار، إذ هم الذين يتجاوبون مع القرآن تلاوة وتدبّرا وتطبيقا عمليا لأحكامه وإرشاداته.

٤٬٢٦١ / ٦٬٧٦٧