نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة لقمان

الجزء ١٣ · صفحة ٤٣١

وقوله تعالى: (أَنُ اشْكُرْ للهِ) تفسير وتلخيص لمضمون الحكمة التي ألهمها لقمان، وليست هي بأقوال فلسفية مجردّة، بل هي ذلك الوازع الإيماني القويّ الذي هداه إلى نور الله، وهيأه لعبادة ربّه وطلب رضاه، فكان بذلك جديرا أن يعظ ولده، بعد أن جعل له من نفسه القدوة الصّالحة والأب المثالي الشّفوق امتثالا لقوله تعالى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (التّحريم:6).

والشّكر بمعناه الاصطلاحي في القرآن يأتي بمعنى الإيمان الخالص لله والعبادة له، معتقدا صحيحا وسلوكا عمليا يرجو به ما عند الله، وضدّه الكفر بنعم الله، قال تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمُ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم:7).

وكلّ ما يقوم به العبد من الشّكر لنعمة الله عليه، فإنّ نتيجة ذلك من الخير والنّفع والصّلاح لا تعود إلاّ إليه بالدّرجة الأولى؛ لأنه تعالى غنيّ عن عباده، فلا تنفعه طاعتهم كما لا تضرّه معصيتهم، كما قال تعالى:

أ) - (اِنَ اَحْسَنتُمُ أَحْسَنتُمْ ِلأَنفُسِكُمْ وَإِنَ اَسَأْتُمْ فَلَهَا) (الإسراء:7).

ب) - (يَآ أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ اِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر:15).

فالغنى والحمد صفتان ذاتيتان لله تعالى، لا تحتاج إلى شكر الشّاكرين ولا حمد الحامدين، بل له المنّة والفضل علينا بنعمة الإيجاد والخلق قبل أن يكون لنا شأن في هذه الحياة حتى نشكر أو نكفر، ولا شكّ أنّ لقمان كان بشهادة الله من الشّاكرين لنعمة الله، فبوّأه تلك المنزلة بين الحكماء ممن يُرجى نصحهم، فتجيء قضية التّوحيد لله في أوّل نصحه لولده: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيِّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).

٤٬٢٧٥ / ٦٬٧٦٧