سورة لقمان
الجزء ١٣ · صفحة ٤٣٢قضية التّوحيد تأتي في قمّة الحكمة، فبعد أن عرفنا لقمان مهتديا حكيما في ذاته، فها هو ذا ينتصب هاديا مرشدا لغيره بدءا من أهليهم وذويهم تأسّيا بمنهجية رسول الله إذ قال له ربّه: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ) (الشّعراء:214)، فهو بنصحه لولده يقدّم نموذجا رائعا لما يجب أن تقوم عليه الأسرة المسلمة من المودّة والتّكافل في أداء الحقوق المتبادلة بين جميع أفرادها، والأولاد هم زينة الحياة الدّنيا، وهم الرّكن الأساسي في مسؤولية الوالدين برّا وصلاحا، أو عقوقا وفسادا.
وبما أن الوسيلة التّعليمية تعتمد على النّطق باللّسان لتقديم النّصائح والإرشادات، فإنّ لقمان إذ يمارس هذه المهمّة مع ولده نجده مداوما لها حتى تتمكّن وتستقرّ في النّفس، وذلك ما تفيده صيغة المضارع في قوله تعالى: (وَهُوَ يَعِظُهُ)، كما نلمس منه ذلك العطف النّديّ والتّرفّق في النّصح وهو ينادي ولده (يَا بُنَيِّ) مستثيرا في نفسه مشاعر البنوّة اللّطيفة ليكون ذلك أدعى إلى الطّاعة والامتثال، وبما أنّ بناء النّفس المؤمنة بكلّ ما يتطلّبه من الأخلاق والسّجايا إنّما ترتكز على أساس المعتقد الصّحيح في المعبود الحقّ -وهو الله تعالى-، فقد بدأ لقمان بتركيز ذلك الأساس، فنهى ولده عن الشّرك بالله، وذلك هو منطلق الدّعوات لجميع رسل الله، كما قال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ اِلاَّ يُوحَى إِلَيْه أنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلآَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:25).