نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة لقمان

الجزء ١٣ · صفحة ٤٣٦

فنجد هذه الوصية الثّانية ضمن تركيز المعتقد الصّحيح في الله وعلمه وقدرته، تجيء في تصوير عجيب يلامس شغاف القلوب ويهزّ مشاعر الوجدان، وهو يعرض تلك الرّقعة الهائلة من الكون الفسيح في الأرض وفي السّماوات، ثمّ في أصله مادّة من الأرض المتمثّلة في الصّخرة الصّمّاء، ومع تعجّبنا وذهولنا أمام سعة ذلك الظّرف الزّماني والمكاني وضخامته وقد ارتدَّ بصرنا أمامه خاسئا وهو حسير، فإنّ عجبنا يكون أعظم في تقدير ذلك المظروف الدّقيق المتمثّل في مثقال حبّة من خردل، يختبئ في أطباق الصّخرة الصّماء أو في جنبات الأرض الممتدة، أو هو يحلق في فضاء السّماوات على تعدّد أطباقها، فإن ذلك الجزء الضّئيل لا يندّ عن علم الله ليأتي به في يوم الحساب، فهل هناك في خيالنا المحدود وفي تصوّرنا الباهت أروع من هذا التّصوير؟.

فلو كان النّاس في وقت التّنزيل يعرفون شيئا أدقّ من حبّة الخردل لضرب الله به مثلا لواسع علمه وشمول قدرته، ولله المثل الأعلى في إعجاز كتابه حين ضرب مثلا لذلك بما هو أصغر من الذّرة، وهو يعلم أنّ الكشوفات العلمية سوف تصل إلى معرفة الذّرة وتفجيرها بتفتيت جزيئاتها التّركيبية فقال جلّ من قائل: (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ وَلآَ أَصْغَرَ مِن ذَالِكَ وَلآَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (يونس:61).

٤٬٢٨٠ / ٦٬٧٦٧