نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة لقمان

الجزء ١٣ · صفحة ٤٤٤

فالخطاب لكافّة النّاس مؤمنيهم وكافريهم، للفت أنظارهم مرّة أخرى إلى دلائل التّوحيد مقرونة بالامتنان الرّبّاني بما أسبغ على خلقه من النّعم الظّاهرة والباطنة. وفي اختيار فعل: (أَسْبَغَ) للدّلالة على الإكثار والتّغطية الشّاملة، كأنّها ثوب شامل يغطّي الإنسان من رأسه إلى أخمص قدميه، وكون تلك النّعم ظاهرة وباطنة لتشمل كلّ الجوانب المادية والمعنوية للإنسان في بدنه وفي نفسه وفي قلبه، فما تزال جوانب كبرى في خلقة الإنسان لم يعرفها العلم، سيما ما يتعلّق بباطنه، وصدق الذي قال مخاطبا ذلك الإنسان العجيب:

دواءك منك وما تشعر … وداؤك منك وما تبصر

وتزعم أنك جرم صغير … وفيك انطوى العالم الأكبر

وفي ربط الدّليل الكوني بمنافع النّاس ومنّة الله عليهم ما يؤكّد ارتباط هذا الإنسان بضمير الوجود في تناسق عجيب من ورائه قدرة الله تحكم التّدبير، ومع تلك الأدلّة الواضحة جاء ذلك الاستفهام الإنكاريّ في أوّل الآية على فريق من النّاس انطمست بصائرهم وعميت أبصارهم عن رؤية ذلك الدّليل الواضح فأخذوا يجادلون في حقيقة الله ولا يقرّون له بالتّوحيد، وهم في ذلك لا يستندون لوسائل العلم، لا بالاجتهاد الذّاتي، ولا بالتّلقي من عالم، ولا بقراءة الكتب، بل هو التّقليد الأعمى لما وجدوا عليه آباءهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُّجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ أَوَ لَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمُ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ).

٤٬٢٨٨ / ٦٬٧٦٧