سورة لقمان
الجزء ١٣ · صفحة ٤٥٤ظاهرة تعاقب اللّيل والنّهار وتسخير الشّمس والقمر تكرّرت في القرآن بأساليب مختلفة، ولكلّ منها مناسبتها في موقعها، وقد ذكرت هنا في معرض بيان قدرة الله على الخلق الثّاني ليوم البعث، وذلك يلفت الأنظار إلى قدرته تعالى إلى ما هو أعظم حالا من الإنسان، إذ سخّر الشّمس والقمر في دؤوب سيرهما وانتظامه بما يكون فيه النّفع لنا وضمان حياتنا، ثم ما يتمّ من التّغيير على وجه الأرض من تداخل اللّيل والنّهار، والذي هو بمثابة طروء الحياة والموت المؤقتين لأحوال الأرض كحالة النّوم للإنسان. وفي تحديد الأجل المسمّى لسير الشّمس والقمر إيماء إلى قيام السّاعة وتذكير بالبعث.
وهذه الظّاهرة الكونية العجيبة على ما فيها من دلالات على قدرة الله، فإن النّاس قد يتبلّد حسّ البعض منهم بحكم اعتيادهم على مشاهدتها، فلا يكادون يشعرون بالقدرة الغيبية التي من ورائها تسخر وتدبّر، ولذلك يكون للاستفهام الإنكاريّ في أول الآية موقعه المناسب، ومن ثمّ يأتي التّنبيه لحقيقة أخرى ينساها الشّاكون الغافلون وهي: (وَأَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، فصفة "خبير" من صفات الله الحسنى، وهي حقيقة غيبية لا يسلّم بها الكثير منهم، ففي الرّبط بينها وبين الحقائق الكونية المعترف بها إلزام للحجة على المنكرين المتعنتين.
ولتوكيد دلالات قدرته تعالى وحقيته في العبادة قال تعالى: (ذَالِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).