نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة السّجدة

الجزء ١٤ · صفحة ٨

المبدأ الأساسي في هدى الكتاب المنزل هو إثبات الألوهية للمعبود الحق، ومن مقتضياتها إفراد العبادة له، وإذ كان المشركون يتشفعون إلى الله بآلهتهم الباطلة ولا ينكرون وجود الله فإن ذكر لفظ الجلالة: (اللهُ) في التّعريف بالألوهية الحقّة لهو أدعى لجلب أنظار المخاطبين، وتأتي بعده الأوصاف المناسبة للذّات العليّة من الخلق والتّدبير، والإتيان بالموصول يدلّ على أنّ الموصوف به حريّ بالأوصاف التي تدلّ عليها الصّلة، فالخلق والإيجاد هو من خصائصه تعالى لا يشركه فيها أحد. وذكر السّماوات والأرض من أجزاء الكون العظيم هما بالنّسبة إلينا الحيّز الزّماني والمكانيّ لحياتنا مما يمكن أن نتصوّره بمدركاتنا، وتحديد مدّة الخلق بستّة أيام فهي فترات وأجزاء من الوقت ليست بالتي نعيشها نحن في النّظام الشّمسيّ إذ لم يكن موجودا، والله وحده أعلم بمقدارها، أمّا عددها فستّة كما تكرّر ذلك في عدة آيات، على أن الله قادر على أن يخلقها في لحظة، ولكن كما قال الحسن البصريّ: "ولو شاء لخلقها بلمح البصر، ولكن أراد أن يعلّم عباده التّأنّي في الأمور"، والعطف بـ"ثم" في قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) وهو يدل على التّراخي وتقديره كذلك يرجع إلى الله، وأمّا الاستواء على العرش هو كذلك من الأمور الغيبية نكل فيهما الأمر إلى الله، ولو كان لهذه الألفاظ مدلولاتها في الكلام العربيّ فإنّها في معناها المجازيّ تدلّ على الاستيلاء والسّلطة والهيمنة بالكيفية التي تليق بجلاله تعالى.

ومما يدلّ على معنى السّيطرة والهيمنة قوله تعالى بعد ذلك بصيغة الالتفات إلى أسلوب الخطاب: (مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ اَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ)، نفي مؤكّد بـ"من" الزّائدة لكلّ وليّ أو شفيع من غير الله تجعلونه واسطة بينكم وبينه ليتولّى أموركم أو يدفع عنكم نقمته، وفي هذا ردّ لمزاعم الكفّار في اعتقاد النّصرة والشّفاعة في آلهتهم الباطلة.

٤٬٣٢٠ / ٦٬٧٦٧