سورة السّجدة
الجزء ١٤ · صفحة ١٩واختيار صفة: (رَبِّهِمْ) هو أدعى للحكم عليهم بالإجرام؛ لأن في معنى الرّبوبية الرّعاية والتّربية فإنه تعالى قد أقام عليهم الحجة بواسطة رسوله وكتابه، ولذلك لا يملكون في ذلك الموقف إلا أن يقولوا: (رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا)، هكذا بحذف المفعولين لدلالة المقام عليهما فهما يشملان كل الدّلائل القائمة على ما أخبر به الوحي الإلهي فهم في الدّنيا قد سمعوا فكذبوا، وهم الآن قد جمعوا بين الإبصار والسّمع. فليس راء كمن سمعا، فلات حين ندم، ولات حين إنكار.
ومع اقتناعهم بما رأوه، وأن النّجاة منه لا يكون إلا بتصديق رسول الله، فقد طلبوا الرّجوع إلى الدّنيا للعمل الصّالح لاستدراك ما فاتهم، ولكن هيهات. وقولهم: (اِنَّا مُوقِنُونَ) هو لمنع أي شك في تحقيق ما وعدوا به.
وقبل الرّدّ المبكّت لهم يأتي هذا الاعتراض الذي يقرر فيه الله حكم مشيئته وإرادته في تقدير مصائر الخلق وفق حكمته وعدله فيقول: (وَلَوْ شِئْنَا ءَلاَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).
استغنى عن مفعول: (شِئْنَا) بجواب الشّرط: (ءَلاَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا)، جاء هذا الاعتراض احترازا من توهّم أنّ المشركين تمادوا على كفرهم تحدّيًا لسلطة الله وأنّه تعالى عاجز -حاشاه- عن حملهم على الإيمان وتوجيههم إلى طريق الهدى، إذ لو شاء لفطرهم على الطّاعة والانقياد كما فعل بالملائكة الكرام، أو كما ألهم المخلوقات غير العاقلة إلى تنظيم شؤون حياتها بدافع غرائزها، لو شاء الله لفعل ذلك كما قال: (أَن لَّوْ يَشَآءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) (الرّعد: 31)، (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ ءَلاَمَنَ مَن فِي الاَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) (يونس: 99).