نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة السّجدة

الجزء ١٤ · صفحة ٢٠

ولكن حكمته اقتضت أن يكون للإنسان طبيعته الخاصّة بما ميّزه به من العقل والإدراك من جهة، وبما أرشده به من الوحي ليقوم على عمارة الأرض بما يصلحها فهو بذلك مختار في ما يأخذ ويذر فيجازيه الله وفق ذلك الاختيار -وهو أعلم- بما يقبل عليه إن خيرا أو شرّا.

(وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ): أغنى الاستدراك عن كلام يقتضي أن يجيء بعد الجملة الشّرطية من ذكر واقع اختلاف النّاس في اختيارهم لمسلك الهدى أو الضّلال، ثم اقتصر في ذكر الجزاء على صنف المختارين للضّلال من الجنّ والإنس؛ لأنه الأنسب بالسّياق إثر شهادتهم على أنفسهم في موقف المحشر. وقوله تعالى: (حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي) أي كتب الله في علمه الأزليّ، أي هو من حقائق حكمته الرّبّانية، وزيادة "من" بعد القول لتعظيم شأنه.

وبعد هذا الاعتراض البليغ يأتي الجواب عن قول المجرمين مقترنا بفاء التّفريع ليقال لهم: (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)، جيء بفعل: (ذُوقُوا) للدلالة على الإحساس بالألم ليجمعوا بين الألم المادي والألم النّفسي وهم في تلك الحالة من الذّلّة والهوان، يقال لهم تهديدا وتهكّما، علما بأنّ حسّ الذّوق من أرهف الحواسّ إدراكا، والمحسّ به هو العذاب الذي دلّ عليه السّياق في ما بعد.

٤٬٣٣٢ / ٦٬٧٦٧