سورة السّجدة
الجزء ١٤ · صفحة ٢٤الاستئناف بالقصر الإضافي: (إِنَّمَا يُومِنُ) وما ذكر بعده من الصفات الكريمة لصنف المؤمنين هو لمقابلتهم بالصّنف المتقدم من الكافرين بلقاء ربهم، وقد بيّن الله ما يتعرّضون له من الذّلة والهوان في موقف الحساب وكيف يتمنون الرّجوع إلى الدّنيا لتدارك ما فاتهم من العمل الصّالح بعد أن أيقنوا بما رأوه وسمعوه، فتفرّع عن ذلك هذا الإخبار الإلهي بأنّ الإيمان الصّادق بآيات الله النّاطقة والصّامتة إذا ما ذكّروا بها لا يتحقق إلا فيمن يتحلون بالصّفات الآتية:
أ) - (إِنَّمَا يُومِنُ بِئَايَاتِنَا الذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا): أي هم لفرط حساسيتهم القوية بخشية الله ما إن يسمعوا آيات الله تتلى عليهم أو ذكّروا بآيات عظمته وجلاله من خلال ما خلق إلاّ وعبّروا عن إحساسهم ذلك بتمريغ جباههم في التّراب سجودا لله. والسّجود هو أقوى تعبير على الخضوع.
والتّذلّل للمعبود الحقّ لا يكون من المؤمن إلاّ لربّه كما جاء في حديث: «أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد»(1).
ب) - (وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ): ومع السّجود التّسبيح، والتّسبيح بحمد الله يكون في السّجود وفي غيره، وهو في السّجود أقوى تعبير على كمال الخضوع والتّذلل لله، إذ يجمع بين القول والفعل.
ولنفي أيّ شائبة للكفر والجحود جيء بجملة: (وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ)، فهم على خلاف المشركين الذين كان الكبر والعناد خلقهم، و"الباء" في قوله: (بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) للملابسة، بمعنى يكون تسبيحهم لله ممزوجا وملابسا بالحمد له على نعمه.
(1) 1 - أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب (5) الصلاة، باب (42) ما يقال عند الركوع والسجود، رقم 1111.