سورة السّجدة
الجزء ١٤ · صفحة ٢٥ج) - (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا): والتّجافي هو التّباعد والمتاركة، وجيء به في صيغة المضارع لإفادة تكراره وتجدده منهم في أوقات كثيرة من اللّيل للقيام إلى العبادة، فهم يتعمّدون ويتكلّفون ذلك الصّراع بين مضاجعهم وجنوبهم. إنه تصوير رائع لمقاومة الرّاحة والخلود إلى النّوم قياما للتهجّد والصّلاة في جوف اللّيل على عكس أولئك المشركين الذين ينامون ملء جفونهم لا يشغلهم تدبّر ولا تفكير، فلهؤلاء المؤمنين انشغال بعبادة ربهم يتوجّهون إليه في جوف اللّيل يتنازعهم الخوف من عذاب الله والطّمع في رحمته. وهذا الشّعور الإيمانيّ القويّ هو الدّافع لهم لتلك المجاهدة.
ومع تلك الحساسية المرهفة في أداء حقّ الله فهم يقومون بواجبهم الاجتماعي إزاء مجتمعهم بما ينفقونه من أموالهم.
د) - (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ): لأنّ الرّاحة عند المؤمن لا تكتمل إلاّ بحبّ الخير لجميع النّاس وإنفاق فضول الأموال التي هي من فضل الله عليهم لا تقلّ لذة عندهم من التّقرب إلى الله في جوف اللّيل؛ لأنّ الحسنات تجرّ إلى بعضها البعض، حتى يتبوّأ المؤمن منزلة الإحسان كما قال تعالى في سورة الذّاريات في معنى هذه الآية: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَالِكَ مُحْسِنِينَ، كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالاَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ) (16 - 19).