نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة السّجدة

الجزء ١٤ · صفحة ٢٦

وفي تفريع الجزاء الأوفى لهذا الصّنف من المؤمنين يأتي هذا التّعبير الرّائع بـ"قرّة العين" الذي هو كناية عن منتهى السّرور، فهو من جمود العين، فلا تسيل بالدّموع السّاخنة، لأن الرّضى بالشّيء الذي تحبّه يجعلها مستقرة، والتّنكير في (نفس) للعموم والاستغراق لجميع الخلائق، كما أنّ التّعبير بالإخفاء مع البناء للمجهول هو للدلالة على نفاسة المخفيّ، وأنّه لا يدركه إلاّ الله مهما كانت تقديرات البشر له، فهو أعظم، وهذا ما يثبته حديث قدسيّ رواه البخاري عن أبي هريرة يقول الله تعالى: «أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، إقرأوا إن شئتم: (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ)»(1).

وقوله تعالى: (جَزَآءَم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، إنّه الجزاء الأوفى من الله أخفاه عن تقديرات خلقه مبالغة في عظم شأنه؛ ولأنه كفاء لما قدّموا من أعمال صالحة أخفوها في جوف اللّيل ليس فيها شبهة من رياء، والأكثر على أن هذا هو التّهجّد المذكور في قوله تعالى لنبيه: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) (الإسراء:79). فهو واجب في حق رسول الله لما في هذه الآية وآيات سورة المزمّل، وليس بواجب على المؤمنين ولكنّه من أبواب الخير التي يجب على المؤمن ولوجها، ولو من حين إلى آخر كما ورد في الحديث الذي رواه معاذ بن جبل.

وإزاء بيان الجزاء للفريقين، ربما تنتاب الشّكوك لدى بعض السّامعين من عدم العدل في الجزاء، فأنكر الله ذلك الظّن بتفريع الاستفهام الإنكاريّ على ما تقدم فقال تعالى: (أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ).

(1) 1 - أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب (59) بدء الخلق، باب (8) ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، رقم 3244.

٤٬٣٣٨ / ٦٬٧٦٧