سورة السّجدة
الجزء ١٤ · صفحة ٣٦كثيرا ما يكون النّسيان والغفلة عن تأمّل الأحداث في الماضي والحاضر سببا للبغي والطّغيان لدى كثير من النّاس، وقد اعتبر الله ذلك من أفدح الظّلم، ووصف المعرضين عن ذلك بالإجرام وتوعّدهم بالانتقام إذ قال جلّ من قائل: (وَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِئَايَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ). (السجدة:22).
وكمَثَل على تلك السّنة الإلهية المطرّدة في انتقامه من المجرمين يجيء هذا التّذكير بما حدث للأمم الخوالي، إذ أنّ أولئك المكذّبين المعرضين يشاهدون في أسفارهم آثار خرائب الدّيار التي كان يسكنها أمثالهم من المكذّبين برسل الله، كيف دمّرها الله، فهم إما يشاهدونها بأمّ أعينهم أو يسمعون عنها بما لا مجال فيه لشك أو ريبة فقال عزّ من قائل: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمَ اَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمُ إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَاتٍ اَفَلاَ يَسْمَعُونَ).
ففي الالتفات إلى الماضي عبرة لمن يذكّر، وبما أن المتحدَّث عنهم من المكذبين لرسول الله هم ممن يشاهدون تلك الآثار التّاريخية، ولكنهم لم يتعظوا بها، جاء الإخبار عنهم بصيغة الاستفهام الإنكاريّ بقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ)، أي أولم يتبيّن لهم هلاك الأمم الماضية التي كذبت برسلها وهم يمشون على آثار خرائبهم؟، وهلا اعتبروا بما شاهدوه، وهو من الكثرة وقوة التّذكير ما يكفي للاتعاظ والاعتبار؟، ولكنهم لا يسمعون كأنهم صمّ عمي، فهم لا يتأثرون بما يشاهدون ولا بما يسمعون بينما سنة الله ماضية في حياة البشر.