سورة السّجدة
الجزء ١٤ · صفحة ٣٧(أَوَلَمْ يَرَوَا اَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ اِلَى الاَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَاكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمُ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ): عطف على الاستنكار السّابق مع اختيار فعل الرّؤية وبصيغة المضارع؛ لأن الظّاهرة الطّبيعية من خروج النّبات على الأرض اليابسة بعد نزول المطر أمر مشاهد ومتجدّد متكرر، وهو مناط الأرزاق للعباد والبهائم، ومظهر لرحمة الله بخلائقه، وسوق الماء كناية عن سوق السّحب بالرّياح، والتّعبير بنون العظمة يضفي على المشهد إجلالا وتعظيما لقدرة الله، وذلك ما يلمح إليه الاستفهام التّقريري في قوله: (أَفَلاَ يُبْصِرُونَ)، والإبصار أنسب بالمشهد لما فيه من الإيحاء بقدرة الله على الإحياء بعد الإماتة وهو مربط الفرس في عقيدة البعث.
(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرِ اِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ): كلمة (الْفَتْحُ) تحتمل معاني عدة، والأصل فيه أنّه الحكم والفصل، أو يكون معناه النّصر والقضاء، ويدلّ على ترجيح المعنى الأول قوله تعالى في الإجابة: (قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ)، أي الفصل بين الخلائق يوم القيامة، وهذا المعنى للفظ الفتح ناشئ عن سماعهم لقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، فيوم الفتح -إذن- هو يوم الجزاء أو يوم الدين، يوم لا يكون فيه الحكم إلاّ لله تعالى، والكافرون يتساءلون عنه سخرية واستهزاء برسول الله؛ لأنهم لا يؤمنون به ابتداء، أو هم يستبعدون موعده إذا أمكن أن يكون؟.