سورة الأحزاب
الجزء ١٤ · صفحة ٤٢وللإمام ابن عاشور ملحظ دقيق في ذلك التّعليل إذ يقول: "وفي إفراد الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلمبقوله: (وَاتَّبِعْ) وجمعه بما يشمله وأمته في قوله: (بِمَا تَعْمَلُونَ) إيماء إلى أنّ فيما سينزل من الوحي ما يشتمل على تكليف يشمل تغيير حالة كان النّبي عليه السلام مشاركا لبعض الأمة في التلبس بها، وهو حكم التّبنّي، إذ كان النّبيّ متبنّيا زيد بن حارثة من قبل بعثته".(1)
قلت: إنّ النّداء الأول في افتتاحية السّورة يحدّد واجبات الرّسول نحو ربّه، وهو يواجه التّنظيمات الجديدة للمجتمع المسلم، فكان التوجيه الأول هو الأمر بتقوى الله، إذ هي مناط التّكليف وملاك الأمر في الإسلام، بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، مع الشّعور بخشيته واستشعار جلاله وعظمته، وهي الطاقة التي تكمن في القلب وتدفع الجوارح إلى العمل لقوله عليه السلام: «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب».(2)
ويحرّر الإمام البوصيريّ هذا المعنى بقوله:
وإذا حلت الهداية قلبا … نشطت في العبادة الأعضاء
ب) - التوجيه الثّاني: (وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ)، والنّهي عن طاعة الكافرين والمنافقين بعد الأمر بتقوى الله هو لتأكيد التّحذير من اتباع أهواء الكفار والمنافقين أو الإذعان لضغوطهم، على أن الأمر بشيء والنّهي عن ضدّه يفيد معنى القصر فيكون المعنى: لا تتق غير الله، أو لا تطع إلا الله، فهو العليم الحكيم، يعلم دسائس الأعداء ومكائدهم، فلا يأمركم إلا بما فيه النّفع والصّلاح، ولا ينهاكم إلا عما يضرّكم في معاشكم ومعادكم.
(1) 1 - التّحرير والتنوير: 21/ 252.
(2) 2 - أخرجه البخاري من حديث النعمان بن بشير، كتاب (2) الإيمان، باب (37) فضل من استبرأ لدينه، رقم 52، وأخرجه مسلم من حديثه أيضا، كتاب (22) المساقاة، باب (20) أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم 1599.