سورة الأحزاب
الجزء ١٤ · صفحة ٥٣وبما أن المهاجرين لم يحملوا معهم إلى المدينة إلا زادهم الرّوحيّ من عقيدتهم تاركين وراءهم في مكة الأهل والمال وحتى الولد ممن بقي منهم على الكفر، وبالرّغم من الحلّ الاجتماعي المؤقت الذي عالج به رسول الله غربة المهاجرين بما قام به من المؤاخاة بينهم وبين الأنصار في تلك التّجربة الرّائدة في مجال التّكافل والتّعاون الاجتماعي، فبالرّغم من ذلك فما يزال العهد الإسلاميّ الجديد في المدينة وليدا يتطلب الرّعاية من رسول الله وكبار الصّحابة حتى يستوي ويبلغ أشدّه بتأسيس الدّولة الإسلامية النّاشئة، وكان انتصار غزوة بدر الكبرى في السّنة الثّانية من الهجرة وما تخللها من السّرايا ثم إجلاء اليهود من المدينة كان كل ذلك هو المؤشر لانطلاق دولة الإسلام وما صاحبه من تشريعات إلهية تردّ الأمور إلى نصابها في تنظيم الأسرة واعتبار الرّابطة النّسبية الطّبيعية هي اللحمة الفطرية بين أفرادها كما قضى الله في علمه الأزلي فقال جلّ من قائل: (وَأُوْلُوا الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُومِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلآَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَالِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا).
وعلى اعتبار الرّسول في قمة الهرم الاجتماعيّ إماما وقائدا وصلة أمينة بين الله وخلقه فقد شرع الله للمؤمنين ما يجب أن يلتزموا به من الآداب نحوه ونحو أزواجه كما ذكر ما هو من خصوصياته مما سنبينه -بحول الله- من التّفسير المفصّل لهذا النّصّ وغيره.
د) - البيان والتّفسير:
إبطال حكم التّبنّي وأمر الله المؤمنين دعوة الأدعياء إلى آبائهم ثم نفيه تعالى أبوّة محمد لأحد من الرّجال اقتضى أن تتجدد علاقة رسول الله بالمؤمنين ومن خلال شخصه الشّريف كيف تكون مكانة أزواجه في المجتمع المسلم فقال تعالى: (النَّبِيءُ اَوْلَى بِالْمُومِنِينَ مِنَ اَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ).