سورة الأحزاب
الجزء ١٤ · صفحة ٥٤الرّسول صلى الله عليه وسلمهو الصّلة الوثقى بين الله وخلقه بتبليغهم الوحي المنزل عليه وهو أول المسلمين يدعوهم إلى الهدى وينقذهم من الهلاك، وقد حباه الله من الخُلق العظيم ما يجعله مبجّلا محبوبا في قلوب أصحابه في إجلال وتعظيم، وجعل الأولوية للنّسب والدّم بين المؤمنين في محيط أُسرهم لا ينفي العلاقة الرّوحية لأخوّة الدّين بينهم وولاية بعضهم لبعض، وكان من البديهي أن يقرّر الله لرسوله الولاية العامّة من طرف المؤمنين ويجعلها مقدّمة على كلّ ولاية خاصة تعمّ كلّ الجوانب الدّينية والدّنيوية، بل تشمل حتى المشاعر النّفسية من حيث الذّات بحيث يصبح الرّسول أحبّ إلى المؤمن من نفسه التي بين جنبيه بله ما دونها من المحبوبات وقد جاء في الحديث الصّحيح: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وولده وماله والنّاس أجمعين».(1)
ولا شك أن أصحاب رسول الله -وهم المنعّمون ببركة شخصه الشّريف- قد ضربوا أروع الأمثلة في ذلك الحبّ وفَدَوْا رسول الله بكلّ ما يملكون فاستحقوا بذلك الخيرية التي شهد لهم الرّسول بها إذ قال: «خير أمتي قرني»(2)، يقول سيّد قطب في نوعية ذلك الحبّ: "والتّغلب على هذا الحبّ العميق للذات ليس كلمة تقال باللّسان، وإنما هو كما قلنا مرتقى عال لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنيّة أو بمحاولة طويلة مخلصة تستنزل عون الله ومساعدته وهو الجهاد الأكبر".(3)
(1) 1 - أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، وأنس، كتاب (2) الإيمان، باب (7) حب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان، رقم 14 - 15.
(2) 2 - أخرجه البخاري من حديث عمران بن حصين، كتاب (66) فضائل الصحابة، باب (1) فضائل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، رقم 3450؛ وأخرجه مسلم من حديثه أيضا، كتاب (44) فضائل الصحابة، باب (52) فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، رقم 2533.
(3) 3 - في ظلال القرآن: 21/ 125.