سورة الأحزاب
الجزء ١٤ · صفحة ٥٧الميثاق هو العهد الموثوق تشبيها له بالحبل المتين الذي يربط بين المتعاقدين، وترشيح هذه الاستعارة بوصف: (غَلِيظًا) للمبالغة في حرمته وعظمته، فهناك عهد الله على خلقه أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا: (أَلَمَ أَعْهَدِ اِلَيْكُمْ يَابَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، وَأَنُ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) (يس:60 - 61). وهناك الميثاق الغليظ بين الأزواج: (وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (النّساء:21). وهنا يذكّر الله نبيّه بميثاق الله على النّبيّين عامّة وعلى أولي العزم منهم خاصّة ليبلّغوا رسالته إلى الخلق، وأن يلتزموا بتطبيق توجيهاتها بكلّ دقّة وصرامة، مهما كانت متحدّية لما ألفه النّاس، فإنّ الرّسل هم القدوة في إقامة دين الله، وهم متعاونون متكاملون في ذلك كما قال تعالى:
أ) - (وَإِذَ اَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيئِينَ لَمَآ ءَاتَيْنَاكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُومِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ) (آل عمران:81).
ب) - (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنَ اَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمُ إِلَيْهِ) (الشّورى:13).
فما أصعب تغيير واقع النّاس وما أثقل أمانة التّبليغ إذا تعلّقت بأحكام تنهي عادات راسخة أصبحت جزءا من حياة المجتمع كالتّبني والظّهار وتعديل أحكام الإرث كما جاء في الآيات السّابقة، وما سيأتي في الآيات اللاحقة، وبذلك ندرك فائدة هذه الآيات التي تذكّر بواجب التّبليغ على الأنبياء والمرسلين.