سورة الأحزاب
الجزء ١٤ · صفحة ٦٦وجاء التّذييل المناسب بقوله تعالى: (وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) ليتناول جوانب التّحضيرات المادية، كحفر الخندق وإعداد العدّة للقتال، كما يتناول الجوانب المعنوية التي عاشها المسلمون في تلك الظّروف العصيبة. ثم يأخذ النصّ الكريم في ذكر تفاصيل الحدث بكشف مواقف الأوفياء المخلصين ومواقف المنافقين المتخاذلين، وقد اشتدّ الكرب وحزب الأمر كما صور الله ذلك بقوله: (إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنَ اَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الاَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُومِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا).
(إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنَ اَسْفَلَ مِنكُمْ): أي اذكروا إذ جاءكم الأعداء يحيطون بكم من كلّ جانب من أعلى المدينة وأسفلها، وفي غمرة الشّدة واحتدام الكرب تنخلع النّفوس وتطيش الأحلام، فيظهر الخوف على ملامح الوجوه، فتزيغ الأبصار حيرة واضطرابا، وتلج القلوب في الخفقان حتى لكأنه يتحرك من مكانه حتى يبلغ أعلى الحلق، فيشعر صاحبه بغصّة تكاد تخنقه، وهو تصوير بديع لما تكون عليه الحالة النّفسية عند الخائف.
وبما أنّ القلب هو مستودع العواطف والأحاسيس في المصطلح القرآني فقد عطف الله على وضعية القلوب عند الخوف ما يستولي عليها من الهواجس والأفكار التي أخذت تساور النّفوس وتمحّص النّاس في تلك المواقف الحرجة، فاختلفت ظنونهم في الله ما بين مصدّق بوعده في النّصر ومكذّب لا يتوقّع إلاّ الهزيمة وظهور الأعداء.