نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأحزاب

الجزء ١٤ · صفحة ١٣٥

قلت: كانت هذه الآية مما وافق فيه القرآن رأي عمر، وعدّي فعل: (يُوذَنَ) بـ"إلى" لتضمنه معنى الدعاء، وإلا فهو يتعدّى بـ"في"، وفي الآية دليل على حظر المؤمنين من الدخول إلى بيوت النبي بغير إذنه سواء كان ذلك الدخول لدعوة إلى طعام أو لغير ذلك.

وقوله تعالى: (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ)، أي منتظرين في البيت نضج الطعام، ولا ماكثين فيه بعد الأكل مشتغلين بالحديث مع بعضكم بعض كما يفعل الثقلاء. وقد أمر الله الطاعمين أن ينشروا خارج البيت بعد انتهائهم من الأكل مباشرة، والتعبير بـ (انتَشِرُوا) ليتفرق الجمع ويذهب كل إلى حال سبيله.

إنه لأدب رفيع يندرج في إطار صيانة الأسرة المسلمة، وقد جعل الله من بيوت النبي وأزواجه مثالا يُحتذى، ونموذجا في القمّة مما يجب على المؤمنين أن يلتزموا به في بيوتهم. ولا شك أنّ رواسب الجاهلية حتى في مثل تلك الآداب العامة ما تزال تراوح مكانها عند كثير من الأسر، وهي تحتاج إلى تهذيب ومران تلحّ فيه مثل هذه الإرشادات الإلهية، وإن بدا رسول الله مترفّقا بأصحابه في ما يؤذيه من تصرفاتهم فيجيء مثل هذا التحذير: (اِنَّ ذَالِكُمْ كَانَ يُوذِي النَّبِيءَ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ).

إنّه تعليل يهزّ كيان المؤمن لأنّه يتحاشى أن يصدر منه ما يؤذي رسول الله وأنّ سكوته عن أمرهم بالخروج إنما كان عن حياء منه لمكانتهم عنده، وأن الله لا يستحيي من الحق، أي أنّ الحقّ هو ما نهى الله عنه من الدخول إلى بيوت النبي من غير إذن أو المكث فيها بعد أكل الطعام، فقد تولّى الله الدّفاع عن حقّ رسوله. وكفاه مؤونة تحمّل المضض مما دعا إليه حياؤه مع أصحابه.

٤٬٤٤٧ / ٦٬٧٦٧