سورة الأحزاب
الجزء ١٤ · صفحة ١٤٩(لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً، مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً): ما أروع ما ذكره الإمام الفخر الرازي في ذكر مناسبة هذه الآية بما قبلها إذ قال: "لما ذكر حال الشرك الذي يؤذي الله ورسوله والمجاهر الذي يؤذي المؤمنين، ذكر حال المسرّ الذي يظهر الحق ويضمر الباطل وهو المنافق، ولما كان المذكور من قبل أقواما ثلاثة نظرا إلى اعتبار أمور ثلاثة: وهم المؤذون لله، والمؤذون للرسول، والمؤذون للمؤمنين، ذكر من المسرّين ثلاثة، نظرا إلى اعتبار أمور ثلاثة:
أ) - المنافق الذي يؤذي الله سرّا.
ب) - الذي في قلبه مرض، يؤذي المؤمن باتباع نسائه.
ج) - المراجف الذي يؤذي النبيء صلى الله عليه وسلمبالإرجاف"(1).
قلت: إنها ثلاث اعتبارات لشخص واحد، قد تجتمع فيه، وقد تتوزع على أشخاص ثلاثة، وهي كلها نقائص خطيرة تسبّب الحرج والعنت للمجتمع المسلم. والحزم يقتضي تطهير المجتمع منهم.
وتجيء في تركيب الآية الكريمة اللام الموطئة للقسم: "لَئِن"، ولام جواب القسم في قوله: (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ)، والخطاب لرسول الله، أي لنسلّطنّك عليهم فتخرجهم من المدينة قطعا لدابر الشر كما فعلت باليهود من قبل.
(ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً، مَّلْعُونِينَ): انتفاء المجاورة جاء معطوفا بـ"ثم" للتراخي؛ لأن عملية الإخراج على شدة وطأتها تحتاج إلى معالجة ووقت، غير أن الاستثناء بقوله: (إِلاَّ قَلِيلاً) يقتضي استعجال التنفيذ وهم في فترة عملية الطرد والإخراج ملعونين مطرودين من رحمة الله لا ينفكون عن الأذى ولا يجدون لهم ملجأ يحميهم من الأسر والقتل الشديد.
(1) 1 - التفسير الكبير: 25/ 230.