سورة الأحزاب
الجزء ١٤ · صفحة ١٦١ونسأل عن هذه الأمانة الثقيلة، ما المراد بها؟، فقد تعددت في بيانها أقوال المفسّرين، وهي في التعريف اللّغوي كل ما يؤتمن عليه ويطلب حفظه وصيانته. والتعريف الجامع لكل تلك الأقوال أن الأمانة هي التكاليف الشرعية في جانبيها من العقيدة والشريعة، وهي تقتضي تمتع الإنسان بالإرادة والحرية والاختيار والتي هي من مستلزمات العقل، وهو مناط التكليف، وهو أيضا ما هّيأ الإنسان ليكون خليفة الله في الأرض كما تشير آية البقرة في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة:30). وإذ كان القرآن العظيم هو المبيّن لطبيعة تلك الأمانة والدستور القدسي المفصل لبنودها، فإنّ للشيخ الإمام بيوض -رحمه الله- ملحظا في ارتباط الأمانة بالقرآن العظيم إذ قال: "ويبدو لي أن أستدلّ على معنى الأمانة هنا بقوله تعالى: (لَوَ اَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ) (الحشر:21). إذ نستطيع أن نقول: إن الأمانة هي مجموع ما في القرآن من أوامر ونواه وواجبات وفروض وحلال وحرام وتوجيهات وإرشادات وأحكام مما أمر الله به أو نهى عنه. مجموع هذا كلّه هو الأمر الثقيل الذي لو أنزل على جبل لتصدع وتفتت بعد أن كان صلبا متماسكا. إذن، هذه هي الأمانة التي لم تستطع حملها السماوات والأرض والجبال، أي إن الأمانة هي مجموع ما في القرآن، والقرآن يفسّر بعضه بعضا".(1)
(لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا):
(1) 2 - في رحاب القرآن: 12/ 693.