نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأحزاب

الجزء ١٤ · صفحة ١٦٠

ما أروع التصوير لثقل الأمانة، إذ عرضها الله على السماوات والأرض والجبال، وهي الأجرام الضخمة التي خلقنا الله في إطارها الزماني والمكاني. ويستدلّ من بديع صنعها ودقيق نظامها على عظمة الله وقدرته امتثالا لتوجيه الله لنا في قوله: (انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ) (يونس:101). وهذا العرض الإلهي للأمانة إنما هو تمثيل لوزنها وثقلها المعنويّ، إذ صرفت عن السماوات والأرض والجبال وحملها الإنسان على ضعفه وصغره أمام تلك المخلوقات الضخمة التي خضعت لله واستقرت في مداراتها لا تندّ عن الناموس الذي يحكمها بقدرة الله، وهي تسبّح بحمده وتسجد لجلاله. أما كيف تمّ ذلك العرض أو متى؟، فإن ذلك من الأمور الغيبية التي نكل فيها الأمر إلى الله الذي خلق كل شيء وأنطقه، يقول الإمام ابن عاشور في هذا المعنى: "فحقيق بنا أن نقول: إن هذا العرض كان في مبدأ التكوين للعالم ونوع الإنسان؛ لأنه لما ذكرت فيه السماوات والأرض والجبال مع الإنسان علم أن المراد بالإنسان نوعه؛ لأنه لو أريد بعض أفراده ولو في أول النشأة لما كان في تحمّل ذلك الفرد الأمانة ارتباط بتعذيب المنافقين والمشركين، ولما كان في تحمّل بعض أفراده دون بعض الأمانة حكمة مناسبة لتصرفات الله تعالى، فتعريف الإنسان تعريف الجنس، أي نوع الإنسان".(1) قلت: إن تفويض الأمر إلى الله في مثل هذه الأمور الغيبية يريحنا من بعض التأويلات الخاطئة التي نجدها في كثير من التفاسير.

(1) 1 - التحرير والتنوير: 22/ 125.

٤٬٤٧٢ / ٦٬٧٦٧