نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة سبأ

الجزء ١٤ · صفحة ١٩٤

والتنكير في ألفاظ الجملتين هو للتعظيم، ووصف "الرّب" بالغفران في مثل هذا المقام؛ لأن الإنسان مهما عظم شكره لربّه فهو لا يصل إلى استيفاء ما تستحقه نعمة الله عليه من حقّ الشكر. ومن فضل الله على المؤمن الشاكر أن يتجاوز عن تقصيره. ذلك هو فضل الله على قوم "سبأ"، فكيف كان موقفهم من نعم الله؟.

(فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيُ اكْلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَالِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ يُجَازَى إِلاَّ الْكَفُورُ):

(فَأَعْرَضُوا): مفرّع عن قوله: (وَاشْكُرُوا لَهُ)، وهو يقتضي أن تسبقه دعوة من داع لهم إلى الخير والصلاح، قيل: إنهم عادوا إلى عبادة الشمس من دون الله بعد أن كفروا عن ذلك في زمن "بلقيس"، وقد أسلمت وجهها لله بعد لقائها مع سليمان، ثم عادت إلى بلدها وفي يدها زمام قومها، ولكنهم بعد موتها بزمن قليل عادوا إلى انحرافهم منغمسين في الترف والنعيم، فحقت عليهم كلمة العذاب.

قال تعالى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ)، والعَرِم إمّا أن يكون اسما للوادي، وإمّا أن يكون صفة له، فيكون من إضافة الموصوف إلى الصفة، وهو إرسال نقمة تجرف تلك الأجنة وتقلعها من أصولها كلها، فإذا بها صعيد جرز لم يبق فيها إلا أشجار صحراوية من نوع الخمط والأثل، وهما من النوع المرّ الذي لا نفع فيه للإنسان، أما الشجر الذي فيه نوع من النفع فجاء التعبير عنه بقوله: (وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ)، والسّدر هو شجر النبق، يأكله الإنسان والحيوان ويغسل بورقه، ولكن أين منه تلك الأشجار المثمرة من كل نوع طيّب؟. إنه الجزاء الإلهي العادل.

٤٬٥٠٦ / ٦٬٧٦٧