سورة سبأ
الجزء ١٤ · صفحة ١٩٥يقول تعالى: (ذَالِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ يُجَازَى إِلاَّ الْكَفُورُ)، الإشارة إلى ما تقدم من سيل العرم وما خلّفه من دمار، وكان سبب ذلك هو توغلهم في الكفر إلى المستوى المنحط الذي لا يُرجى من ورائه عودة إلى الشكر والحمد.
(وَهَلْ يُجَازَى إِلاَّ الْكَفُورُ): والكفور صيغة مبالغة من الكفر، والاستفهام للنفي، لأنّ الله تعالى لا يظلم الناس شيئا، ولكن النّاس أنفسهم يظلمون.
وقد جاءت هذه الآية: (فَأَعْرَضُوا)، معترضة بين أجزاء القصة التي جاءت بقيتها في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى التِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا –امِنِينَ، فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمُ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ اِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ).
في هذا المقطع الكريم بيان تتمة لنعم الله على قوم سبأ، فزيادة على رفاهيتهم في إقامتهم، فقد هيّأ الله -أيضا- من وسائل الراحة في أسفارهم، إذ ألهمهم إلى توفير محطّات للنزول والراحة وللتزوّد بما يحتاجونه، وهم متجهون إلى بلاد الشام، وفلسطين بالذات هي القرى التي باركها الله، إذ فيها منازل الأنبياء والرسل، وكانت تلك القرى التي هي على طريق سفرهم من اليمن إلى الشام مقدرة المسافات، فلا تكاد تغيب واحدة منها حتى تظهر أخرى بعدها، وربما كانت تبنى على للروابي، وبذلك توفّر لهم الأمن في حلّهم وترحالهم، فلا تعترضهم وحوش ضارية، ولا قطاع طرق.