نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة سبأ

الجزء ١٤ · صفحة ١٩٧

الضمير في قوله: (صَدَقَ عَلَيْهِم) عائد إلى الذين كفروا وإلى الممثل بهم من قوم "سبأ"، ومعنى: (صَدَقَ عَلَيْهِمُ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) أنه تمكن من إغرائهم وإغوائهم كما تحدّى الله بذلك عندما تمرّد عليه فطرده من رحمته كما جاء في بعض ما حكاه عنه القرآن إذ قال: (فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمُ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (صّ:82 - 83)، أي أوقع بذرية آدم ففتنهم بوسوسته فاتبعوه، ثم استثنى الله فريقا من المؤمنين الأوفياء وهم قلة بالنسبة للأكثرية ممن وقع في حبال الشيطان، كما قال تعالى من قبل: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِي الشَّكُورُ)، وحتى الشيطان قال لربّه: (وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف:17).

ثم أبان الله موقف إبليس في وسوسته وإغراءاته للخلق فقال: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ)، والسّلطان يكون بمعنى القوة والقهر، وبمعنى الحجة والبرهان، وعلى أي المعنيين ليس للشيطان من قهر ولا سيطرة على من يوسوس له، كما أنه لا يستظهر بحجة ولا برهان في ما يدعو الناس إليه من التمرّد والعصيان، ولذلك قد يستعصي عليه من وفّقه الله إلى الثبات في عقيدته وسلوكه على الحق، فلا يزيغ ولا يضل، فأحوال الخلق كلها معلومة عند الله، ولكن حكمته في ذلك الابتلاء أن يظهر في الواقع من يؤمن بالآخرة، أي بيوم الحساب والجزاء، فكان ذلك الإيمان رادعا له عن اتباع الشيطان، فيعرفه الناس ويحمدون عمله، كما يظهر في واقع حياة الناس -أيضا- من يشكّ في وقوعها، فهو يتردّد ويستجيب لغواية الشيطان، فإذا كان المسلم العاصي يؤثر فيه الشك في اليوم الآخر فما بال الكافر الجاحد، وليست قصة داود وسليمان وقصة سبأ إلا مثالا لسبيل الهداية والغواية عند البشر.

٤٬٥٠٩ / ٦٬٧٦٧