نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة سبأ

الجزء ١٤ · صفحة ٢٣٣

(وَقَالُوا ءَامَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِم بَعِيدٍ): معطوف على: (أُخِذُوا)، والضمير في "بِه" يرجع إلى الحق الذي جاءهم به رسول الله، فكذّبوه يوم كانوا يتمتّعون بالإرادة والاختيار، وكيف يتناولون الإيمان من مكانهم في دار الجزاء، وهي بعيدة كلّ البعد عن دار الابتلاء، فمثلهم كمثل الإبل العطاش التي تمدّ أعناقها من مكان بعيد لتتناول الماء من الحوض، فأنى لها أن تشرب، وكيف يحصل لهم الإيمان في الدار الآخرة من بعد ما كفروا به في الدنيا متمسّكين بأباطيل لا مستند لها رجما بالغيب واستهتارا بما أخبر به الرسول أنه من غيب الله الذي سيقع -لا محالة- وهم يرفضونه إذ يرونه في الدنيا بعيدا كما قال تعالى في شأن اليوم الآخر: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا) (المعارج:6 - 7). بينما شأن المؤمنين أنهم يؤمنون بالغيب.

(وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ): فما أكثر مشتهيات الكفّار في ذلك الموقف العصيب، ويا ما غرّر بهم الشيطان وروّج عليهم مختلف الأماني، وهاهم اليوم ترفض طلباتهم بكل أنواعها مما كانوا يتعجبون به في الدنيا، فقد جاء التعبير عامّا ليتناول كل تلك الأنواع مما فصّله القرآن في آيات أخرى.

وقوله تعالى: (كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ)، والأشياع هم المشابهون في الملة، والكفر ملّة واحدة، تجري عليه سنة الله في الجزاء والعقاب، فليس كفّار أمّة الرسول بأحظى منزلة من كفار الأمم السابقة، وقد أنكر الله ذلك أشدّ النكير في قوله: (اَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنُ اوْلَئِكُمُ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزُّبُرِ) (القمر:43).

٤٬٥٤٥ / ٦٬٧٦٧