سورة سبأ
الجزء ١٤ · صفحة ٢٣٢يجيء ختام السورة متناسقا مع بدئها كشأن أغلب السور، إذ عالجت قضية الإيمان باليوم الآخر، وبعد تلك الجولات المتتابعة في محاججة المشركين ودحض شبهاتهم، فهاهم في نهاية المطاف يواجهون ما ينكرون، وهم يعاينون العذاب في موقف الحشر، ولا سبيل لهم إلى الإيمان وقد بعدوا عن إمكانية تناوله في دار الجزاء ويحال بينهم وبين ما يشتهون، فإذا هم في العذاب محضرون. قال تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ، وَقَالُوا ءَامَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِم بَعِيدٍ، وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانِم بَعِيدٍ).
الخطاب لرسول الله ولكل من يصلح له، والضمير في: (فَزِعُوا) يعود للمشركين وهم يواجهون مصيرهم يوم الفزع الأكبر الذي وصفه الله بقوله: (لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاَكْبَرُ) (الأنبياء:103). اليوم الذي يقوم فيه النّاس لربّ العالمين، وإذ كان الخلق من طبعه أنّه يهرب طلبا للنجاة عند الفزع، فإنّ هؤلاء الكفّار قد انكشف لهم الغطاء ولاحقتهم نقمة الله فهم يحاولون النجاة بالهروب من واقع أمرهم، ولكن هيهات فلا مفرّ ولا انفلات يومئذ من قبضة الله.
(وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ): والتعبير بفعل: (وَأُخِذُوا) للدلالة على التمكن والقوة في الأخذ، أي تأخذهم ملائكة العذاب إلى جهنم وقد أصبحوا على قرب منها في المحشر.
واستعمال صيغة الماضي على أشياء تقع في المستقبل، لأن ذلك بالنسبة إلى الله هو بمثابة ما حصل يقينا، ويبقى جواب "لَوْ" محذوفا، تقديره: لو رأيت ذلك لرأيت شيئا عجبا.