نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة فاطر

الجزء ١٤ · صفحة ٢٥١

ومع ذلك نجد إرشادات القرآن تحذّر المؤمنين من الاعتزاز بغير الله، وينعى على المنافقين التماسهم لتلك العزة بولايتهم للكافرين جبنا واستكانة وحفاظا على منافع عاجلة، فقال تعالى في سورة النساء مخاطبا رسوله: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا اَلِيمًا) (النساء:138). وفي سورة المنافقون يردّ الله ادّعاء عبد الله بن أبّي بن سلول في تطاوله بأنه الأعزّ وأن الرسول هو الأذلّ عندما قال: (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الاَعَزُّ مِنْهَا الاَذَلَّ وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُومِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) (المنافقون:8). وقد صدق الله وعده، فنصر عبده وأعزّ جنده، يوم أن اعتزّ المسلمون بربّهم وتمسكوا بدينهم، وعندما ضعف إيمانهم وتولوا عن أحكام كتابهم سلّط الله عليهم أعداءهم فأذاقوهم ذلّ المهانة، وقديما أعلن سيدنا عمر رضي الله عنه قولته المشهورة: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا بغير الإسلام عزا أذلنا الله".

قلت: وهل الإسلام إلا هذا المنهج التربويّ الذي جعله الله الوسيلة الوحيدة لتحقيق تلك العزة إذ قال تعالى: (اِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)، فالقربات إلى الله تتلخص كلها في الأقوال الطيّبة والأعمال الصالحة، وهي أنواع تتفاوت درجاتها في سلّم الإيمان كما ورد في الحديث الصحيح: «الإيمان نيف وسبعون شعبة، أعلاها: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق».(1)

(1) 1 - أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، كتاب (1) الإيمان، باب (12) بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان، رقم 35.

٤٬٥٦٣ / ٦٬٧٦٧