نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة فاطر

الجزء ١٤ · صفحة ٢٥٢

والضمير في جزئي الآية عائد إلى الله، وتقديم الجار والمجرور في قوله: (اِلَيْهِ يَصْعَدُ) لإفادة أن ما هو خبيث يبقى في الأرض، وقد دل فعلا الصعود والرفع على علوّ المنزلة وعلى حسن القبول عند الله، وقد جعل الله سبب تنعّم المؤمنين في جنة الرضوان أنهم حققوا لأنفسهم هاتين الوسيلتين فقال: (وَهُدُواْ إِلىَ الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وَهُدُواْ إِلى صِرَاطِ الْحَمِيدِ) (الحج:24).

وفي مقابل هذا الصنف الموفق يأتي أولئك الذين يلتمسون العزة من غير الله ممن يحيكون المؤامرات ويدبّرون أنواع المكر، فقال تعالى: (وَالذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ).

أما أولئك الذين يطلبون العزة بأنواع من المكر والحيل فيمالئون أهل الظلم والفساد من أعوان الشياطين، والتعبير بفعل: (يَمْكُرُونَ) عوضا عن "يعملون" هو للدلالة على التدبير السّيئ لإلحاق الضرر بالغير في خفية، وهو عمل الأشرار ممن لا خلاق له ولا دين، فهم لا يكتفون بسيئة واحدة، بل هي سيئات كثيرة، فهؤلاء قد توعدهم الله بالعذاب الشديد، وأن الله سيبطل مكرهم، وأشار إليهم: بـ (أُوْلَئِكَ) لتحقير شأنهم وحكم على مكرهم بالبوار، أي بالخيبة والهلاك، وقد قال تعالى: (وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ اِلاَّ بِأَهْلِهِ) (فاطر:43).

ويعود السياق إلى سوق دلائل الوحدانية ببيان قدرة الله في خلق النفس البشرية أطوارا: (وَاللهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمُ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنُ انثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ اِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ).

٤٬٥٦٤ / ٦٬٧٦٧