نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة فاطر

الجزء ١٤ · صفحة ٢٦٢

فما أحوج هذا الإنسان المغرور إلى التذكير بهذه الحقيقة التي تدعوه إلى معرفة حقيقة نفسه بأنه في الواقع لا يملك شيئا، حتى من وجوده في هذه الحياة فإن وجوده وكلّ ما يملكه إنّما كان بمشيئة الله وإرادته، فهو الفقير إلى ربّه في كلّ ما يحتاجه، إذ الفقر هنا لا يعني الحاجة إلى المال وحده، بل المراد هو كل الاحتياجات التي تتطلبها حياة الإنسان، فهو لا يملك تلبيتها إلا بإذن الله ومشيئته، فإذا دعاكم الله إلى الإيمان به وإلى عبادته فليس ذلك بدافع الحاجة إليكم، فأنتم الفقراء إلى رحمته وفضله، والله وحده هو الغني الذي يحمد على غناه، فإذا استجبتم لدعوته، فإن ذلك لا يزيد في ملكه شيئا وإنما هو لفائدتكم ونفعكم في الدنيا والآخرة، إذ لو شاء لأفناكم جميعا من على وجه الأرض ليأتي بخلق آخر يعرف قيمة ربّه، وليس الله بعاجز عن ذلك، وهو الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وفي هذا إنذار وتهديد يهزّ المشاعر فيكفكف من غلواء هذا الإنسان في الحياة الدنيا ليدرك مدى فضل الله عليه، ومدى رعايته له، علّه يستحي من ربّه، حين يعطي لنفسه قيمتها الحقيقية وهو يتفاعل مع الوجود الفسيح فلا يرى نفسه شيئا مذكورا.

ثم يبيّن الله كيف يكون الحساب الأخرويّ فقال: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ اِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ).

إنّه الإعلام عن المسؤولية الفردية لكلّ شخص في الحساب الأخرويّ، إذ كلّ نفس بما كسبت رهينة فلا يؤاخذ أحد بجريرة غيره، فالعدل الإلهي يحمّل كلّ فرد مسؤولية عمله، إن خيرا أو شرّا، فيقول: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الذِي وَفَّى، أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَن لَّيْسَ لِلاِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَآءَ الاَوْفَى) (النجم:36 - 40).

٤٬٥٧٤ / ٦٬٧٦٧