نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة فاطر

الجزء ١٤ · صفحة ٢٦٣

وللمسؤولية الفردية أثر حميد في السلوك يحفّز الإنسان على الاجتهاد في فعل الخيرات والمبرّات، وهو مطمئن إلى مصيره وضمان حقوقه، ولتركيز هذا المعنى رسم الله تلك الصورة المؤثرة في منظر الإنسان الذي يحمل حملا ثقيلا ينوء بظهره فيدعو الآخرين للتخفيف عنه فلا يستجيب أحد ولو كان من أقربائه ممن يتوقع مساعدتهم به.

وقوله تعالى: (وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ) هو اكتفاء بالوصف عن الموصوف الذي يقدر هنا بنفس مثقلة، على أن المثقلة الأنثى أدعى إلى العطف من الرجل المثقل، ومع ذلك يستحيل تخفيف أحد عن أحد لأن كل واحد مشغول بنفسه: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنَ اَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (عبس:34 - 37).

وبعد النداء العام لأمة الدعوة، فإن المستجيب لها هم الذين تتوفر فيهم شروط الاستجابة: (إِنَّمَا تُنذِرُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ).

الخطاب موجّه إلى رسول الله وإلى كل الدعاة إلى الله، فهم مأمورون بأداء واجبهم في النصح والإرشاد، واكتفى بمهمة الإنذار لأنه الأنسب بجوّ السورة في مواجهة المشركين، فالمؤمنون وحدهم هم الذين يستجيبون؛ لأنّهم يتمتعون بالصفات التالية:

أ- (الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ): وهو شرط أساسيّ في الإيمان، يعبدون الله ويخشونه كأنّهم يرونه، وقد وعدهم الله بالأجر الكبير في قوله: (إِنَّ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) (الملك:12)، وبمقتضى ذلك الإيمان بالغيب فهم يتأثرون بكلّ ما يسمعونه من الإنذار مخافة من عقاب الله كما قال تعالى لرسوله: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) (قّ:45).

٤٬٥٧٥ / ٦٬٧٦٧