نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة فاطر

الجزء ١٤ · صفحة ٢٦٩

تصدّرت الآية بالاستفهام التّقريري للفت الانتباه، والخطاب لكلّ من يصلح له ممن فيه قابلية للتّدبّر والتّلقي، والرؤية إمّا بصرية أو علمية، إلى الظاهرة الطبيعية من إنزال المطر من السّماء، وهي شيء مألوف لدى الإنسان قليلا ما يلاحظ تلك الآثار الناجمة عنه من زينة الأرض وكيف تهتز وتربو بعد الهمود والجفاف، وقليل هم أولئك الذين يتملّون جمال الطبيعة ويتدبّرون من خلالها قدرة الخالق، وكم في القرآن من آيات تنبه إلى ذلك ولكن بصفة إجمالية للغطاء النباتي أو لبعض الفواكه والثمار دون التّعرّض إلى ذلك التنويع والاختلاف في الخلق أشكالا وألوانا بل وطعوما كما تشير إليه آية سورة الرعد في قوله تعالى: (وَفِي الاَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنَ اَعْنَابٍ وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ صِنْوَانٍ وَغَيْرِ صِنْوَانٍ تُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الاُكْلِ إِنَّ فِي ذَالِكَ ءَلاَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (4).

ويفصّل الله هنا ذلك التنويع ليشمل أنواعا من الكائنات، فبدأ بالثمرات كيف تنوعت في ألوانها، لأنّ التّنوع في اللون هو الظاهرة المثيرة للانتباه إذ لا يقتصر ذلك التنوع على الألوان المعروفة المشهورة لدينا، بل هو تنوع لا يقع تحت حصر، ويجتهد علماء الأحياء في معرفة أسباب ذلك التنوع، فترى الزهرة الواحدة المتفتحة على ساق واحد، وهي مزركشة بألوان مختلفة، فأية عبقرية فنانة تستطيع أن تبدع في تنسيق تلك الألوان، إنها صنعة الله الذي أحسن كل شيء خلقه، ولعل البدء بذكر الغطاء النباتي بما فيه الأشجار المثمرة وذكره قبل الإنسان والحيوان هو من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، إذ يتوافق مع النظرية العلمية التي تقرر نسق الخلية النباتية على وجه الأرض قبل الخلية الحيوانية، والله أعلم.

٤٬٥٨١ / ٦٬٧٦٧