سورة فاطر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٧١فهذا هو صنع الله البديع تعبّر عنه هذه الآيات المتناغمة في أسلوبها هي الأخرى بالتنويع اللفظي بما يثير الإعجاب ويهزّ المشاعر، ولكن الله العليم بخلقه يعلم أن الكثير منهم يرون تلك الآيات فيمرّون عنها معرضين، غير أن العلماء العارفين بالله هم الذين يتفكرون في عجائب الخلق فيدركون من خلالها قدرة الخالق الصانع فيزدادون إيمانا به وخشية إذ قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآءُ اِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ).
وهذا الحكم الرباني من تحقيق خشيته من طرف العلماء ينبني على بيان المقصود من كلمة "علماء"، بأيّ علم هم ينشغلون؟، لأن كلمة "العلم" في عصرنا الحاضر قد أخذت مفهوما مادّيا صرفا، ممن تعجّ بهم الحواضر من خرّيجي الجامعات في مختلف التخصصات العلمية في الطّب والهندسة والكمياء وغير ذلك من مختلف العلوم، إذ نجد أغلب هؤلاء ملاحدة لا يؤمنون بغير المادة التي بلغوا في فهم أسرارها شأوا بعيدا هو محلّ الإعجاب والتقدير، فهؤلاء لا تعنيهم الآية الكريمة في شيء، فالتعبير القرآني الذي يشيد بالعلم وأهله هم الذين ينعتهم الله تعالى بأولي الألباب، ثم يأتي بمواصفاتهم، وكلها إيمان بالله وتصديق بوعده ووفاء بأحكام شريعته.
فلتقرأ قوله تعالى في سورة آل عمران: (اِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لأَيَاتٍ لأُوْليِ الاَلْبَابِ) (190). حتى قوله تعالى: (إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (194). وقوله في سورة الرعد: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الاَلْبَابِ، الذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ) (19 - 20) إلى قوله: (سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (24).