سورة فاطر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٧٦"ثُمَّ" للترتيب الرتبي، تفيد الترقي في الاستئناف للعمل والإيراث، وهو جعل أحد وارثا لمال ميّت قريب. وهو يأخذ معنى الإعطاء، فينصب مفعولين، والكتاب هو الموروث المعهود، أي القرآن، والاصطفاء بمعنى الاختيار، والمقصود بالمصطفين من عباد الله هم الأمة المحمدية، وهذه هي البشارة الثانية لرسول الله في اختيار أمته لتكون وارثة للقرآن الكريم كما امتن بذلك على رسوله عندما قال في شأن القرآن:
أ) - (لَقَدَ اَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمُ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (الأنبياء:10).
ب) - (فَاسْتَمْسِكْ بِالذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) (الزخرف:43 - 44).
فالأرجح الصحيح الذي يقتضيه السياق أن يكون المقصود -والله أعلم- من قوله: (الذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا) أن يكون هو أمة الاستجابة لدعوة رسول الله فتعظم بذلك بشارته، وهو الرحيم بالمؤمنين، وهناك أقوال أخرى مرجوحة، فقيل: هم علماء الأمة من الصحابة ومن بعدهم، وذهبت الشيعة أنهم آل البيت، وقيل: هم المذكورون في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) (آل عمران:33). ويؤيد القول الأول، أي أمة الاستجابة قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُومِنُونَ بِاللهِ) (آل عمران:110).
ومع إطلاق البشارة بتعميم جماعتهم بيّن أنهم في الفضل مراتب فرّع بيانها بقوله:
أ) - (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ): أي تزيد سيئاته على حسناته، يقول القطب في هذا الصنف: "ولا مانع من أن يراد بالظالم لنفسه المسرف في المعاصي، ولو بالإشراك، لكن مات تائبا، ولو عند قرب موته جدّا".(1)
(1) 1 - تيسير التفسير: 11/ 474.