سورة فاطر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٩٠وهو تعقيب مناسب لما سيأتي في ختام السورة، بعد أن عاد السياق إلى الحديث عن أولئك المكذبين ليرتب عليه الإنذار الأخير فقال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنِ اِحْدَى الاُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمُ إِلاَّ نُفُورًا، اسْتِكْبَارًا فِي الاَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ اِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الاَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً).
عاد السياق إلى الحديث على كفار قريش، كيف كانوا قبل بعثة رسول الله يبالغون في إيمانهم فيقسمون بالله العظيم -وهم يتباهون على اليهود-، يقسمون وهم يتمنون أن يجيء إليهم نبي كما كان لليهود، فيكونون أهدى الأمم تصديقا واتباعا له.
ولكن ذلك كان أمنية منهم فحسب، إذ الواقع أنهم كذبوا وشاققوا رسولهم وآذوه بكل أنواع الإذاية، ولم يزدادوا منه إلا إعراضا ونفورا، بدافع الكبرياء والمكر السيئ، خشية أن يفقدوا منازلهم الاجتماعية ومنافعهم الذاتية في استغلال الناس، في حين أن المكر السيئ سوف ينقلب على أهله بالدمار والخسران، كما يقول المثل الشعبي: "من حفر لأخيه حفرة سقط فيها"، فتقرر هذه الآية قاعدة اجتماعية لا تتخلّف، وهي تجري مجرى المثل السائر.
(وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ اِلاَّ بِأَهْلِهِ): فيكون كالطوق الذي لا يفلت صاحبه من عواقب المكر والخداع، ثم يتهددهم الله بما جرت به سنته من إهلاك الظلمة وتدمير الطغاة المتجبرّين، إذ هم يعلمون كيف كان مصير من سبقهم من الأمم التي كذبت رسلها فشتت الله شملهم، وأباد حضارتهم.